الحرب ضد الحجاب بحث لـ د. ليلى بيومى
بالتنسيق مع موقع "أمل الأمة"

امتدت ظاهرة الهجوم على الحجاب لتشمل قيادات سياسية وإعلامية وفكرية مختلفة بالبلاد العربية، وتباينت حدة تصريحات هذه القيادات ففي حين ارتفعت حدتها في دول تجذرت فيها العلمانية، تجد أنها خفتت بعض الشيء في دول للثقافة الإسلامية فيها مكان واعتبار، أما في دول الخليج فلم يكن للظاهرة وجود ظاهر بسبب ما تمثله الثقافة الإسلامية والزي الإسلامي من إطار تقليدي يحكم هذه المجتمعات ويسيطر عليها.

 

 

الدكتورة ليلى بيومي الكاتبة المصرية الإسلامية قامت ببحث حول ظاهرة الهجوم على الحجاب نستعرضه في السطور القادمة.

 

منهجية الباحثة

 

تحاول الباحثة الدكتورة ليلى بيومي دراسة القضية من زوايا مختلفة رئيسية فهي تحاول توثيق ظاهرة الهجوم على الحجاب عن طريق عرض جانب من التصريحات الرسمية سواء في العالم العربي أو في الغرب التي تهاجم الحجاب في أيامنا هذه والتي تعبر عن هجوم صريح غير قابل للتأويل، ثم تحلل الظاهرة في أبعادها المختلفة التاريخية والسياسية والفكرية ثم تأثير هذه الأبعاد على المستوى الاجتماعي في البلاد العربية والإسلامية.

 

 وتتوقف أمام كون الحجاب قضية رمزية تختزل مجموعة أخرى من القضايا والصراعات، وتناقش أسباب رفض حركة التحرر الوطني في بلادنا العربية، وخاصة الجانب النسوي منها اعتبار الحجاب أحد مظاهر هذه الحركة على مستوى تأكيد الهوية ورفض التبعية للهيمنة الغربية. كما تتعرض لتأثيرات قضية الحجاب على الجاليات الإسلامية في المجتمعات الغربية التي تعيش فيها، وتدرس أسباب رفض العلمانيين العرب للحجاب، وتختتم بأسباب رفض الغرب المسيحي لهذا الزي الإسلامي.

 

أولا: توثيق ظاهرة الهجوم على الحجاب

أ.في العالم العربي

 

امتدت ظاهرة الهجوم على الحجاب لتشمل قيادات سياسية وإعلامية وفكرية مختلفة، وكانت حدة التصريحات مرتفعة في البلاد العربية التي تمكنت فيها العلمانية من مفاصل الدولة مثل تونس، وخفت الحدة في دول أخرى مثل مصر أما في دول الخليج واليمن فلم يكن للظاهرة وجود ظاهر.

 

فقد اعتبر وزير الشئون الدينية التونسي الحجاب "ظاهرة دخيلة" على تونس، ونشازاً وزياً طائفياً وظاهرة غير مقبولة في تونس.

 

وتطبيقاً عملياً لهذه التصريحات منعت السلطات التونسية عدداً من طالبات التعليم الثانوي من دخول امتحانات نهاية العام بسبب ارتدائهن الحجاب.

 

ب.في الغرب

 

وعلى المستوى الغربي اعتبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك ارتداء تلميذات المدارس الحجاب الإسلامي أمراً عدوانياً وأعرب عن قلقه إزاء ظاهرة الأصولية الإسلامية مع تزايد الميل العام في فرنسا لحظر كل الرموز الدينية في المدارس العامة.

 

وفي ألمانيا حظرت السلطات في ولاية نورث رين وستفاليا الألمانية على المدرسات المسلمات ارتداء الحجاب في المدارس الرسمية.

 

وفي هولندا قال رئيس اللجنة البرلمانية للحزب اليميني بمدينة روتردام الهولندية "سوريمسين" إن الحجاب يعد وفقاً للقرآن رمزاً يميز المؤمنات عن غيرهن، بمعنى أن الحجاب رسالة موجهة إلى المجتمع الهولندي محتواها أن من ترتدي الحجاب مؤمنة، والأخريات أقل مستوى من الإيمان، مما يفتح المجال أمام العنصرية الدينية كما يصفها.

ثانياً:تحليل الأبعاد المختلفة لظاهرة الهجوم على الحجاب

 

أ.البعد التاريخي للظاهرة

 

كان التركيز الغربي على مصر شديداً سواء في استهدافها بداية من الاحتلال العسكري أو استهدافها بالغزو الفكري والثقافي، وهكذا كانت مصر هي البداية للهجوم على الحجاب، وانطلقت هذه الدعوة في عهد محمد علي باشا، وتحديداً منذ عام 1826 الذي شهد إرسال البعثات المصرية إلى فرنسا، إلا أن دعوة محمد علي لم تلق قبولاً ولا تأييداً من علماء المسلمين. وفي عام 1899 ظهر كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين الذي دعا فيه إلى سفور وجه المرأة ورفع النقاب عنه وقد حظي الكتاب بتأييد عدد من المفكرين مثل أحمد لطفي السيد في حين عارضه الزعيم مصطفى كامل الذي وصفه بأنه مهين للمرأة.

 

وعند عودة سعد زغلول من منفاه في جزيرة سيشل قامت هدى شعراوي بنزع النقاب عن وجهها. وفي عام 1924 تأسس الاتحاد النسائي المصري برئاسة هدى شعراوي التي شجعت المصريات على خلع الحجاب، وقد مهد هذا الطريق لعقد مؤتمر الاتحاد النسائي العربي عام 1944 في القاهرة، وحضرته عدد من النساء العربيات.

 

ب.البعد السياسي للظاهرة

 

عندما اختفى الحجاب نسبياً من الشارع الإسلامي قبل عقود لم يكن ذلك نتيجة فهم جديد للدين الإسلامي، إنما كان اختفاؤه مرافقاً لتغييب النسبة العظمى من مظاهر تطبيق الإسلام في الحياة والحكم.

 

لم يكن اختفاء الحجاب في الماضي موقفاً سياسياً من جانب المسلمات في المجتمع الإسلامي بل كان خطوة سياسية من جانب من تخلى عن الإسلام منهجاً للحياة والحكم.

 

إن كل لون من ألوان الفعاليات التي ظهرت في حقبة السيطرة العلمانية شبه المطلقة على صناعة القرار في البلدان الإسلامية هو في واقعه جزء من سياسة اتبعتها الدولة وعلى وجه التحديد التيارات العلمانية التي كان بأيديها وحدها صناعة القرار في مختلف الميادين وفي غالبية بلاد المسلمين عبر عقود عديدة.

 

ومثال على هذا عندما كان نجم الدين أربكان رئيساً للوزراء في منتصف التسعينيات كان يتلقى معاملة سيئة إذا كانت زوجته المحجبة العجوز التي تجاوزت الستين عاماً معه في أي مناسبة عامة وكانت تمنع من حضور التجمعات الرسمية بوجود رئيس الجمهورية.

ج.البعد الثقافي والفكري للظاهرة

المورد الذي غذى ظاهرة الهجوم على الحجاب في عالمنا العربي والإسلامي ليس مورداًَ مستقلاً خاصاً بذاته، وإنما كان هذا المورد هو العلمانية والإطار العلماني العام الذي تم إحلاله تدريجياً، ومن هذا المنطلق كان الاستعمار حريصاً على تغيير مناهج التعليم في البلاد التي احتلها، وذلك من أجل إعادة صياغة العقول الناشئة على المرجعية الأوربية المادية وغير الدينية.

 

ثالثا:الحجاب قضية رمزية تختزل غيرها من القضايا

 

يعتبر البعض الحجاب رمزاً سياسياً توظفه الجماعات الإسلامية في سعيها للوصول للسلطة وتؤكد الطبقة السياسية في أوربا على كونه رمزاً دينياً يتضمن تعدياً على العلمانية، كما يحسبه بعض الأمريكيين عنواناً لإرهاب مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001.

 

لكن الدكتورة ليلى تعتقد  أن الادعاء بأن اللباس الشرعي هو رمز سياسي هو تحميل له بما لا يحتمل، والقول بأن الحجاب رمز سياسي إنما هو قراءة المخالف للحجاب وتوظيف المخالف لهذا اللباس الشرعي لاتخاذ مواقف عدائية من اللباس الشرعي باعتباره جزءاً من التدين الإسلامي، والتعبير كذلك عن الموقف العنصري من الدين الإسلامي.

 

ودعوى أن الحجاب رمز ديني دعوى مرفوضة فالحجاب ليس رمزاً بحال، لأن الرمز ما ليس له وظيفة إلا التعبير عن الانتماء الديني لصاحبه، مثل الصليب على صدر المسيحي أو المسيحية، والقلنسوة على رأس اليهودي، فلا وظيفة لهما إلا الإعلان عن الهوية، وهذا بخلاف الحجاب فإن له وظيفة معروفة هي الستر والحشمة.

 

رابعا:الحجاب عامل مؤثر في علاقات الجاليات المسلمة في الغرب بمجتمعاتها

ارتداء الحجاب في حياة النساء المسلمات في الغرب يشكل تحدياً كبيراً حيث النظرة أو الموقف من المرأة المحجبة في شوارع أمستردام ليست هي نفسها في شوارع القاهرة، والحجاب في الغرب يتجاوز كونه مجرد وسيلة لحفظ المرأة إلى أن يكون طرفاً مهماً في المعركة الجديدة الدائرة رحاها بين الإسلام والغرب وتصبح معه المرأة المسلمة المتحجبة في عين الآخر رافعة لراية التحدي ما دامت أنها كما يتخيل البعض تتطاول على القيم الغربية الداعية إلى الحرية والمساواة والديموقراطية.

 

ولا يمكن أن نفهم جوهر ما يجري هذه الأيام في القارتين الأوربية والأمريكية عامة من حملة إعلامية وسياسية واسعة ضد ارتداء الحجاب على أنه قضية خاصة بقطعة ثوب صغيرة تستر بها النساء والفتيات المسلمات شعور رؤوسهن فحسب، بل إن الأمر يتجاوز مجرد ثوب صغير إلى قضية أكبر من ذلك، وليست تلك القضية سوى الحضور الإسلامي في الغرب.

 

 

خامسا: الحركات النسوية العربية ومعاداة الحجاب

 

تسود حياتنا الثقافية منذ فترة طويلة وبتأثير وتوجيه أجهزة الإعلام العربية الرسمية ذات الصبغة العلمانية فكرة تؤيد أن حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار في العالم العربي إنما هي حركات علمانية لم يكن التوجه الإسلامي حاضراً فيها، والتالي لم يكن للمرأة المسلمة التي ترتدي الحجاب الإسلامي أي دور في هذه الحركات. بل أصبح هناك تأفف من الجناح النسائي لحركات التحرر العربية من الحجاب على أرضية أنهن رجعيات متخلفات جامدات، في حين لو نظرنا لدولة مثل فلسطين سنجد أن الكثير من النساء المحجبات ضحين بأنفسهن في سبيل الوطن، فكيف سيتم تقييم هذه التجارب من النضال الوطني من جانب الحركة النسائية العربية العلمانية، أليس هذا منتهى النضال؟

 

وبالنسبة لمصر فقد كانت مشاركة المرأة المصرية حاضرة في ثورة 1919، وكانت كل النساء ترتدين الحجاب، ولم يكن هناك متبرجة واحدة، فكيف بعد ذلك تدعي الحركة النسائية العربية أنه لم تكن هناك مشاركة نسائية إسلامية في حركة التحرر المصرية؟ ثم ماذا تقول هذه الحركة النسائية العلمانية في الفعاليات التي قادتها واشتركت فيها المحجبات مطالبات بالتصدي للهجمة الأمريكية الصهيونية على بلادنا، والتصدي لمخططات تجزئة الأمة وتفتيتها، ورفض ما يحدث من مؤامرات في البلاد العربية والإسلامية؟ وماذا تقول هذه الحركة في الاسهامات الثقافية والإعلامية للمراة داخل تيارات الصحوة الإسلامية؟ أليس ذلك كله نضالاً وطنياً؟

 

سادساً: أسباب رفض العلمانيين العرب للحجاب

 

إن هؤلاء الذين يرون في انتشار الحجاب ردة وتخلفاً ورجعية يؤمنون بأن سفور النساء المسلمات وتقليدهن في الزي لنساء المجتمعات الأخرى هو اختراق مهم ونجاح، أي أن العلمانيين يرون في انتشار ظاهرة الحجاب هزيمة لهم، وافشالاً لمخطط استهدافهم للمرأة المسلمة الذي حرصوا عليه من البداية.

 

ومن أساليب الرفض العلماني للحجاب وصفه بأنه إهانة للمرأة وحجاب للعقل ونسوا أننا أمة فيها عشرات الملايين من الرجال (غير المحجبين)، ومع ذلك فهم معدمو القيمة بين الأمم، فلا الحجاب إهانة للمرأة ولا عدم ارتداء الحجاب دليل على أن هناك حرية وعقل.

 

سابعاً: أسباب رفض الغرب للحجاب

 

وبالنسبة للغرب فإن المنظومة العقدية للإسلام تمثل موضوعاً للحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فهي منظومة من وجهة النظر الغربية تولد العداء للآخر غير المسلم. إنهم يريدون إلغاء كل ما يتصل بمفاهيم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

إن الأفكار الأمريكية مثلاً عن الإصلاح الديموقراطي وعن حرية المرأة وعن تغيير مناهج التعليم وعن الخطاب الديني الجديد وعن الحجاب والاختلاط ونظم الأسرة والأحوال الشخصية جميعها ذات طابع مدني تحمل روح الأفكار الأمريكية إلى العالم، وبناء على ذلك فإن أمريكا تريد تفكيك ما لديك لتتبع أنت ما عندها. ونحن نتساءل ما الذي يفيد أمريكا في أن تبقى المرأة محجبة وأن تمارس تقدمها وتطورها وهي مختلطة بالرجال؟ والإجابة تكشف عن حقيقة يتبناها الفكر الغربي وهي أنه لكي تغير أمة أو شعباً فإن مفتاح التغيير هو المرأة.