الحجاب والعولمة

جمهوريتهم الفاضلة.. تضيق ذرعا بالحجاب

بقلم : فاطمة عبد الروؤف

----------

 

لم يكن غريبا ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بقصر الأليزية في السابع عشر من ديسمبر الماضي والذي دعا فيه إلى إصدار قانون يحظر بناءا عليه الحجاب والرموز الدينية الواضحة في المدارس العامة وأماكن العمل العامة ومؤسسات الدولة فهو متفق تماما مع الروح الفرنسية في تعاملها مع الإسلام.. فالجمهورية الفرنسية الفاضلة ترفض الحجاب باعتباره رمزا لمنظومة قيمية مغايرة إن لم تكن في زعمهم معادية !!

 

تلك هي المنظومة الإسلامية التي تناصبها فرنسا العداء علانية ودون مواربة وحقيقة العداء للإسلام وللحجاب كرمز لهذا الدين لا تقف عند فرنسا ولا تنتهي في أمريكا ولكن لفرنسا على وجه الخصوص ماض عريق في محاربة الإسلام فهي تحمل على عاتقها مسئولية نشر قيم الحضارة الغربية التي وإن تعددت مراحلها وأشكالها إلا أن جوهرها وروحها ثابتة منذ اليونان والرومان مرورا بالعصور المسيحية انتهاءا بالقيم الحداثية التي أسهمت فرنسا فيها بنصيب كبير ولعل التعصب هو روح هذه الحضارة فمنذ أفلاطون الذي رأى في اليوناني وحده الإنسان الحقيقي إلى فرنسا الحديثة التي ترى أن قيمها العلمانية هي وحدها التي ينبغي أن تحترم يقول جاك شيراك " إن المدرسة هي المكان الأول لاكتساب القيم الفرنسية المشتركة وينبغي الحفاظ على علمانيتها بشكل مطلق لذلك فالحجاب الإسلامي أو أيا كان المسمى الذي يطلق عليه لن يكون لها مكان داخل أسوار المدارس الحكومية العامة فالمدرسة الحكومية ستبقى علمانية" وهكذا يمارس الفرنسيون الإقصاء للآخر بكل عنف وتعصب إن المدرسة الفرنسية تحتمل الملابس العارية وشبه العارية ولا تنجح الإدارة في تقليل نسبة العري ولا يهتم أحد .. إن المدرسة الفرنسية تحتمل حبوب منع الحمل في حقائب طالبات الثانوي ولا تحتمل الحجاب ، والثقافة الفرنسية لا تحتمل إصدار قانون يمنع الإجهاض لكنها تسارع بسن قانون يمنع الحجاب .

 

لقد أصبح الحجاب عبئا ثقيلا على حضارة لا تعرف الطهر والفضيلة والعفاف فالفاسدون لا يطيقون رؤية الطهر وقديما قال قوم لوط " أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " واليوم يقول الفرنسيون أخرجوا المحجبات من مدارسكم إنهم يرفضون العري والتهتك ولعلهم يخشون على فتياتهم المهذبات من الاختلاط بهؤلاء المحجبات ! أما التبجح بأن أولياء الأمور يجبرن هؤلاء الفتيات على الحجاب وأن الفتيات يستغثن بإدارة المدارس ونحو ذلك فهو كلام كاذب تكذبه الوقائع ولا ننسى ما حدث عام 1989 حين منعت إدارة  المدرسة الفرنسية " كلية جبريل – حافظ " في مدينة سريل "أويز" المسلمات عائشة وفاطمة وسميرة من دخول المدرسة لأنهن  يغطين رؤسهن بشيلان تحجب الشعر وبعد تدخل كثير من الشخصيات البارزة تم السماح لهن بدخول المدرسة ومرتديات الحجاب في داخل الفصول الدراسية على أن يخلعنها في ساحة الألعاب الرياضية فهل كانت عائشة وفاطمة وسميرة مجبرات من قبل أولياء أمورهن على ارتداء الحجاب أم كن مجبرات من دعاة حقوق الإنسان الفرنسيين على خلعه .

 

فالتشدق بحقوق الإنسان وحقوق المرأة كمسوغ لمنع الحجاب لا معنى له .. مجرد كلام قديم متهافت بل إنه مصادرة على معنى الحرية والحق في أن يلبس كل إنسان ما يشاء ولا يوجد مبرر لمنع الحجاب سوى الخوف من الإسلام أو حالة الإسلام فوبيا التي تعيشها فرنسا أو كما تقول الهيرالد تريبيون فإن الدافع الحقيقي وراء الاعتراض على ارتداء الحجاب هو الاستياء من عدد المسلمين المتزايد في أوروبا .

 

- يقول الدكتور مراد هوفمان في كتابه الإسلام كبديل " إن المرأة المسلمة الأوروبية التي تغطي شعرها ممتثلة للشرع طوعا إنما تريد في المجتمع الغربي راحة البال محاولة ابتغاء مرضاة الله ومبتغية في الوقت ذاته الخروج من الدوامة الشيطانية التي تعصف بالمجتمع الغربي المتخذ جسد المرأة تجارة رائجة سوقها قاصدة أن تعيد للمرأة من جديد كرامتها بوصفها امرأة لا موضوعا للجنس وتجارته ..إنها إنما تبرز زينتها لزوجها غير عارضة لها نهبا للأنظار هنا وهناك كأنما تريد أن تعلن عن نفسها ليتقدم إليها الراغبون في الزواج ، إن تلك المسلمة ذات الخمار أو الحجاب إنما تريد أن تقول لمن حولها في البيئة التي تعيش فيها أيها الناس إنني امرأة لي كرامتي عليكم أن تأخذوني مآخذ الجد وليس لكم أن تنظروا إلي نظرة رخيصة خبيثة !!

إن لبس الخمار أو وضع الحجاب أو النقاب بهذا المفهوم عمل ثوري ورمز للاحتجاج أو الاعتراض على أسلوب الحياة وشروطها في أوروبا المعاصرة

 

 

ولعل ذلك هو ما أثار ثائرة فرنسا إنه رفض أسلوب الحياة الفرنسية ممثلة عن الحضارة الغربية ذلك الأسلوب الذي تأمل فرنسا في تصديره إلى العالم كله حينا بالإقناع وتربية مثقفين عرب ومسلمين في أحضانها حتى يعودوا فيكونوا سفراء لهذه الثقافة في بلادهم ولقد نجحت في تكوين نخبة كبيرة متغربة أو متفرنسة حتى أن هؤلاء أقاموا احتفالا بالغزو الفرنسي لمصر باعتباره البداية الحقيقية للنهضة المصرية ممثلة للنهضة العربية والإسلامية وإن لم يكن الإقناع فالعنف والدموية بأقصى صورة ممكنة وما حدث في الجزائر ليس بالأمر البعيد فالدولة الاستعمارية العتيدة لم تقتل فقط مليون شهيد في الجزائر إنما حاولت وبنفس العنف سحق اللغة العربية وسحق الحجاب واللباس الإسلامي للمرأة وعملت بكل ما أوتيت من قوة أن تستبعد الحجاب من حياة الجزائريين .. وكان الهدف من كل هذا الاحتلال والدمار سحق الشخصية الجزائرية المسلمة وتحويلها إلى شخصية متفرنسة لا تعرف شيئا عن دينها أو لغتها ولكن فرنسا فشلت فيما أرادت وفوجئت أن الإسلام يدق بابها بقوة من خلال سبعة ملايين مسلم يعيشون في فرنسا ويرفضون الذوبان في الثقافة الفرنسية محاولين الاستمساك بدينهم ورموزه الظاهرة .

 

وهنا خلعت فرنسا قناع الحريات وحقوق الإنسان وأظهرت وجهها المتعصب البغيض فهي تأبى أي شكل من التفاعل بين الفرنسيين والمسلمين عدا الذوبان والاندماج الكامل في الثقافة الفرنسية ففرنسا كما يزعم شيراك بلدا غنيا بتاريخه وبلغته وبثقافته وأمة قوية بقيمها ومثالياتها وفرنسا أرض الأفكار والمبادئ .. فرنسا ينبغي أن تكون مثالا لمواطنيها قبل أن تكون وطنا .

 

- لذلك كله ابتدعت فرنسا إسلاما جديدا أسمته الإسلام الفرنسي بحيث لا يتعارض مع العلمانية وغيرها من القيم التي تمثل روح ثقافتهم يقول جاك شيراك " وسيكون قد تم تحقيق خطوة جديدة عند الانتهاء من تأهيل جمع من الأئمة الفرنسيين بحيث تكون قد أتيحت الفرصة لتثبيت إسلام ذي ثقافة فرنسية له شخصية " ..ولعلها بجاحة لا نظير لها في التاريخ أن يتم التدخل في أخص خصوصيات الإنسان وهو اعتقاده ودينه كل هذا تحت إشراف ساركوزي ومباركة كل أجهزة الدولة وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة .

 

تبقى نقطة أخيرة فالبعض منا يقول إن الحجاب ليس قضية القضايا وإنه لا ينبغي أن نفقد حليفا مهما في حجم فرنسا وهي التي تدافع عن الحق الفلسطيني وهي التي وقعت ضد حرب العراق وغير ذلك ..وهذا هو منطق المغالطة فالحجاب فريضة إسلامية وجزء من الدين لا يمكن إسقاطه من أجل مصالح سياسية متوهجة ومن الضروري أن نعرف أن مشكلة فرنسا ليست مع الحجاب إنها مع ثقافة الحجاب .. دين الحجاب ذلك الدين الذي يرفض الذوبان على الطريقة الفرنسية كما يرفض الذوبان على الطريقة الأمريكية ، وفرنسا تسعى لفرنسنة العالم تماما كما تسعى أمريكا لأمركته والإثنان أخوة أشقاء وأبناء أوفياء للحضارة الغربية الأم .

 

- أما خديعة النفس أن فرنسا تقف مع العرب والمسلمين ليس إلا هراء ..ففرنسا تقف مع مصالحها ومصالحها لم تكن مع حرب العراق ومصلحتها أن تبدي شئ من التعاطف مع الفلسطينيين وإلا فأين درس الجزائر ..أم أن حالة الضعف والهوان التي نعيشها أوصلتنا إلى حالة من فقدان الذاكرة حتى أننا نسينا الماضي القريب .

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤