قضية الحجاب ...درس تركي جديد

ياسر سعد - مجلة العصر- حماسنا

-----------

 

أقر البرلمان التركي بأغلبية كبيرة تعديلين دستوريين، ينص الأول على معاملة مؤسسات الدولة للمواطنين الأتراك على قدم المساواة، والثاني على المساواة في الحصول على حق التعليم، مما يعني عمليا إلغاء الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في الجامعات التركية.. رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان رحب بالتعديل الدستوري، ووصفه بأنه انتصار للديمقراطية والعدالة في تركيا.

 

القرار البرلماني ينتقل بتركيا إلى مرحلة تاريخية جديدة، ليطوي غربة تراثية وفكرية، فرضت على الشعب التركي تحت مسمى التحديث والعلمانية. الطريف في الأمر، أن تركيا شهدت في عهد أتاتورك دفعا قويا للابتعاد عن الإسلام وقيمه ومظاهره، تحت مسمى التحديث في محاولة للالتحاق بالغرب، وها هي تعود إلى هويتها الإسلامية تحت غطاء التأهيل للانضمام للاتحاد الأوروبي.

 

- النقاش حول النظام العلماني وأحقية الفتيات بلبس الحجاب من عدمه، لم يكن- كما الكثير من المفاهيم في عالمنا - ليحتكم إلى المنطق والقوانين السوية، بل إلى موازيين القوى، والتي تستطيع بسلطاتها وسلطانها أن تلبس الشيطان لبوس القديسين حين تشاء، وتقلب الباطل الصريح إلى حق فصيح، فأي عقل يقبل بالسماح بحرية التعري والعلاقات المفتوحة بين الجنسين، ويرفض ويضطهد من تريد أن تلبس زيا معينا من غير إكراه أو إجبار؟

 

- وإذا كان أكثر من ثلثي التركيات يرتدين الحجاب، كما تشير الإحصائيات، فإن التضييق على اختيارهن هو تضييق على الحرية الشخصية واعتداء على المفاهيم الأساسية للديمقراطية وإكراه للناس على سلوكيات محددة ومفاهيم معينة. باختصار، حظر الحجاب في الجامعات، هو نوع من العدوانية ونقيض للعلمانية بمفاهيمها، والذي يعطي الإنسان الحرية في اختياراته الشخصية.

 

ينبغي على الحركات الإسلامية تأمل والوقوف عند الدرس البليغ في تعامل حزب العدالة والتنمية مع مسألتي رئاسة الدولة والحجاب. حزب العدالة والتنمية التركي، تجنب ترديد الشعارات الكبيرة والوعود الضخمة، فلم يطرح شعار الإسلام هو الحل، ولم يعد الناس بأحلام وردية، ولم يدخل إطلاقا في دهاليز التفصيلات الفكرية، ولم ينتش بانتصاراته الانتخابية الكبيرة، ولم يطلق التصريحات النارية، الحزب عمل بصمت وحقق إنجازات اقتصادية كبيرة، ودفع بتركيا على الطريق الصناعي والتقني خطوات كبيرة.

 

- الجيش التركي، الحاكم الفعلي في البلاد خلال العقود السابقة، والذي أطاح بحكومات تركية منتخبة، وجد نفسه مقيدا بالسياسة الهادئة والواثقة الذكية، والانجازات الضخمة للحزب الحاكم. تركيا اليوم ليست تركيا ما قبل اوردغان، فهي تستعيد هويتها وتعود إلى جذورها الثقافية، كل ذلك متزامنا مع دور إقليمي ودولي أكثر فعالية وتأثيرا.

 

- على الأحزاب الإسلامية المعارضة، التي تسعى لتغيير الواقع المؤلم عربيا، الابتعاد عن الخطاب العاطفي والعبارات الرنانة وإجراء تغيير جذري في أولوياتها المعلنة، بل وحتى البعد عن المسميات التي تقرن الحزب بالإسلامية. أليس من العجيب أن يطرح حزب إسلامي في بلد عربي كبير مسألة ولاية المرأة، مشتتا الجهد والوقت في أمر افتراضي، في حين يعلم أن القرار السياسي مصادر في البلد، الذي يعيش على فتات المساعدات الأمريكية ومرتهن لها؟

أوضاع الكثير من المجتمعات العربية مترد تماما، نتاج الحكم الدكتاتوري والتبعية السياسية، فقد تأخرنا وتقهقرنا علميا وصناعيا وتنمويا واقتصاديا فيما يتقدم الآخرون.

 

التجارب السياسية للمعارضات العربية والإسلامية تحتاج إلى مراجعة وترشيد. ففي الوقت الذي ينبغي فيه على المعارضة رفض الدور الديكوري، فإن عليها أن تبتعد عن الخطاب الديماغوجي والشعارات البراقة. من الواجب تبني القضايا اليومية، التي تشغل وتهم عموم المواطنين من فقر وبطالة ونقص في الخدمات الحياتية الأساسية.

 

- ليس خافيا أن هناك عوامل وظروف محلية وإقليمية ساعدت حزب العدالة والتنمية للوصول للسلطة عبر انتخابات نزيهة، مثل شروط الدخول في الاتحاد الأوربي، وهي أمور ليست متوفرة في غالبية الدول العربية، غير أن على المعارضة الجادة أن تستقي التجارب الناجحة من الآخرين، وتهيئ نفسها بأعمال جادة وأطروحات عملية، وليس شعارات وهتافات لإدوار حتمية قادمة.

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤